وهبة الزحيلي

284

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

من الفريقين : الذي صلى العصر في الطريق إلى بني قريظة ، والذي أخّر الصلاة حتى فات وقتها ، عملا بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة » فتخوف ناس فوت الوقت ، فصلوا دون بني قريظة ، وقال آخرون : لا نصلّي العصر إلا حيث أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن فاتنا الوقت ، فما عنف واحدا من الفريقين . وفي هذا من الفقه تصويب المجتهدين . 9 - قسم صلّى اللّه عليه وسلّم أموال بني قريظة ، فأسهم للفارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهما ، قيل : وهي أول غنيمة قسّم فيها للفارس والراجل ، وأول غنيمة جعل فيها الخمس . وفي قول آخر : إن أول ذلك كان في بعث عبد اللّه بن جحش . ووفّق ابن عبد البر بين القولين : أن تكون غنيمة قريظة أول غنيمة جرى فيها الخمس بعد نزول قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ الآية [ الأنفال 8 / 41 ] . وكان عبد اللّه بن جحش قد خمّس قبل ذلك في بعثه ، ثم نزل القرآن بمثل ما فعله ، وكان ذلك من فضائله رحمة اللّه عليه . 10 - أرسل اللّه على الأحزاب ريح الصّبا يوم الخندق ، حتى ألقت قدورهم ونزعت فساطيطهم ، وأنزل الملائكة لتفريق الجموع ، ولم تقاتل يومئذ ، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخرجه أحمد والشيخان : « نصرت بالصّبا ، وأهلكت عاد بالدّبور » . وكانت هذه الريح معجزة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان المسلمون قريبا منها ، لم يكن بينهم وبينها إلا عرض الخندق ، وكانوا في عافية منها ، ولا خبر عندهم بها . قال المفسرون : بعث اللّه تعالى الملائكة ، فقلعت الأوتاد ، وقطعت أطناب الفساطيط ، وأطفأت النيران ، وأكفأت القدور ، وجالت الخيل بعضها في بعض ، وأرسل اللّه عليهم الرّعب ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر ؛ حتى كان سيّد كل خباء يقول : يا بني فلان هلمّ إلي ، فإذا اجتمعوا قال لهم : النّجاء النّجاء ، لما بعث اللّه تعالى عليهم من الرّعب .